الوالدين بين الأزمنه/قلم الكاتب عني حسن
بالحروف ننسج كلمات رائعة تتدفق كسلسبيل الماء عبر زمن الروايات والتي تحيكي عن أمهات لم تعرف طريق المدرسة في حياتهن، ولم يدرسن في كتاب علوم المنطق والحياة عن كيفية تربية ابنائهن ، لكنهن كرسن جهدهن في تأسيس جيش من بواسل الرجال و جيل نافع لنفسه ولغيره و كذلك لبلده ، حتى تألق بأمانة وشرف و بصورة لائقة في أعلى المنتديات وأرقى الملتقيات فرأينا المعلم والطبيب والمهندس ...الخ ، وذلك بفضل تضحية وسخاء كل أم صمدت أمام المحن وشمرت ساعديها وعجنت الطين بالماء لتصنع منه آنية من خزف تمتص زوائل الثراب وتجعل منه دواءا و ترياقا لوجع الحياة .
أكيد فكل طفل يولد من مخاض عسير تشرق بعده نور الأمل والحياة في عيني أمه التي تجتهد في تربيته بكل تفان وحتى وإن أصبح طائرا يبتعد عنها ويسافر عبر محطات عديدة في حياته الجديدة إلا أنه يعود إلى أصله وأرضه ، فينمو ويتوغل وتكبر جذوره وتتفرع أغصانه كشجرة مثمرة ولا ينسى فضل أمه عليه فوجب أن يقبل قدميها متيقنا أن الجنة تحت هاتين الأقدام ، فمن صبرها وكفاحها نسجت غزلا حريريا لباسا معقما بنفحات حسن الخلق والتصرف بحنكة وحكمة لإجتياز الأزمات بأقل الخسائر و الأضرار وكانت كالنحلة التي جعلته عسلا شافي مصفى والذي تفوح منه رائحتها الزكية حتى ولو تدخلت أقدار الموت وفرقتهما .
كل واحد منا يحن ويشده الشوق الدفين الممزوج بالحب لأمه والذي يسكن الروح ويدفئ الخواطر فيغوص بهذا الشعور داخل وجدانه كما تغوص آلة حفارة البئر في أعماق الأرض للوصول إلى القعر العميق ، فيطفو ماء عذب يحيي الأرض بربيع أخضر وزرع ناضج يسهل حصاده . فهذا ما تراه الأم في طفلها ولو كبر وأصبح رجلا ، كل يوم تحسبه بزوغ فجر جديد. ومهما توالت السنين ومرت الأيام فهي تأمل أن يتحقق الحلم الدفين ويحيا ويتلاشى الضباب والغمام ويعود صبيها رجلا نافعا يُعتمد عليه رافعا من قيمته الإنسانية متمكنا من قدراته وكفاءته العالية
فلا ينسى هذا الإبن وقت بناءه بيته الجديد وتأتيته تلك الأم التي أرضعته من ثديها ولا تنتظر رد الجميل إلا أن يكفلها في كبرها . وفي غمرة هذه المشاعر لا ننسى دور الأب كذلك في الحنان والعطاء والعمل بجد من أجل توفير القوت اليومي لأبناءه . فدوره لا يقل أهمية عن الأم فهو الأب والصديق والمرشد الذي يأثر ان يكون طفله أحسن حظا منه . فمنذ الأزل وانت تراه يلازمه في الطريق لحظورحلقات الذكر وحفظ القرأن في المسيد. *ما يطلق عليه اليوم بدور القرآن أو المدارس العتيقة* او التنزه والملاعب ،يصاحبه كظله حتى آخر رمق.
فهذا هو الزمن الجميل الذي نريد استعاته حيث عرفت العلاقات الإنسانية السخاء والعطاء دون انتظار المقابل ، زمن كانت تخفق له القلوب وتحن له الأرواح ببراءة في طفولتنا ، زمن تتحدث فيه الشفاه بما يرضي الله ويدعوا إليه ديننا الكريم من الرحمة وصلة الأرحام .
كل واحد منا ينام ويستقيظ على ضوء منير كشعاع شمعة تروى قصة أم بطلة ولو يسقط فتيل الشمعة في ذوبانها لا تنتهي القصص .
كل واحد يشتاق لرؤية مدرسه ومدرسته ليحاكي الزمن ماذا فعل به المشيب، يتذكر حجراتها وطلاء جدوع أشجارها بالأبيض، ويتذكر مقاعد ورفوفها وأسوارها وأبواب أقسامها الخشبية المثينة فتهيم مخيلته في التأمل في فضاءها وأجواء صفوف الثلاميذ وهم مثنى مثنى فيشعر وكأنه يعود لصباه لينطق ويتعلم أول حروف الضاد ومخارجها. فيذكر ان كل ما تعلمه بفضل والديه وتضحياتهما.
إنه الزمن الجميل والعودة إليه كل مرة تكون جميلة حيث كانت ... . ولكن الأجمل أنه لازال بفضل الله ورحمته أبرارا في كل زمان ومكان.
بقلم الكاتب والشاعر حسن عني

Commentaires
Enregistrer un commentaire